حسن حنفي
122
من العقيدة إلى الثورة
الحرية في هذا العالم بل يكون مجرد تشويش عليها وافساح مجال للجبر الأخروي . وما فائدة انكار الحرية في عالم آخر ما دام التكليف قد انتهى بانتهاء الحياة ؟ حتى ولو أمكن تصور حياة أخروية كيف يمكن تصورها بلا حرية ؟ وكيف ينعم الناس عندما لا يكونون قادرين بل عندما يكونون مضطرين حتى إلى النعيم الأبدي ؟ حتى الجزاء لا يكون جزاء الا إذا كان نتيجة فعل حر ، ويكون الفعل حرا دون عصمة . فالعصمة أيضا جبر لان الانسان لا يقدر على فعل الخطأ . والجبر في النعيم الأخروي عذاب بالنسبة للحرية في العذاب الدنيوي « 207 » . يبدو أن الاستحقاق كواجب عقلي جعل المثاب مضطرا إلى الثواب ، والمعاقب مضطرا إلى العقاب ، وهو اضطرار القانون . والحقيقة أن العالم الآخر ليس عالم فعل بل عالم ثواب ، ليس عالم امتحان واختبار بل عالم يتم فيه حصر النتائج . ففي هذا العالم يتم الكشف فيه عن حصيلة الفعل بعد أن يكون قد تم كل فعل . 9 - ويبطل الجبر تعلق الفعل بالانسان ووقوعه حسب دواعيه ، والغاء البواعث على الفعل ومسؤولية الانسان عنه ، بل القضاء كلية على الانسان الفاعل الحر القاصد المحقق . فالجبر تسوية للانسان بظواهر الطبيعة وتحويله إلى آلة تحقق مقاصد الغير « 208 » . يؤدى الجبر إلى نفى حرية الانسان وقدراته وبواعثه ودواعيه وصوارفه وأهدافه ومقاصده وغاياته وتخطيطه وتعلمه وتجاربه وأخطائه ونجاحه وفشله وسلبه حياته
--> ( 207 ) يدافع الخياط عن أبي الهذيل قائلا : الآخرة دار جزاء وليست بدار تكليف . فلو كان أهل الآخرة مكتسبين لاعمالهم لكانوا مكلفين ، ولو وقع ثوابهم وعقابهم في دار سواها ، الفرق ص 125 ، وردا على أبى الهذيل وجبريته في الآخرة يقول أهل السنة : وما أنكرت عليهم من أنهم يكونون في الآخرة منهيين عن المعاصي ومعصومين منها كما قال أهل السنة مع أكثر الشيعة أن الأنبياء كانوا في الدنيا منهيين عن المعاصي ومعصومين عنها . وكذلك الملائكة منتهون عن المعاصي ومعصومون منها ، الفرق ص 125 . ( 208 ) الجبر مذهب معقول الا أنه يرفع وجوب وقوع تصرفنا بحسب أحوالنا ودواعينا ، المحيط ص 48 ، القضاء على الدعاوى والمقاصد والاستحقاق ، الشرح ص 779 ، الانصاف ص 153 - 154 .